السيد كمال الحيدري

14

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

الأصل الثاني : أنّ مرادهم من الحدوث هو الحدوث الزماني لا الحدوث الذاتي ، كما هو مبنى المتكلِّمين القائلين بأنّ ما سوى الواجب تعالى فهو حادث زماني وأنّ ملاك الحاجة إلى العلّة هو الحدوث الزماني . وكلا الأصلين باطل : أمّا الأصل الأوّل وهو انحصار العلم الحضوري بعلم الشيء بنفسه فهو ممنوع بما تقدّم في الفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشرة ، من أنّ العلم الحضوري لا يختصّ بعلم الشيء بنفسه بل يشمل علم الشيء بغيره أيضاً ، قال المصنّف : « هل يختصّ العلم الحضوري بعلم الشيء بنفسه أو يعمّه وعلم العلّة بمعلولها وعلم المعلول بعلّته ؟ ذهب المشّاؤون إلى الأوّل ، والإشراقيّون إلى الثاني وهو الحقّ ؛ وذلك لأنّ وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى وجود علّته ، قائم به ، غير مستقلّ عنه بوجه . فهو أعني المعلول حاضر بتمام وجوده لعلّته غير محجوب عنها ، فهو بنفس وجوده معلوم لها علماً حضوريّاً إن كانا مجرّدين . وكذلك العلّة حاضرة بوجودها لمعلولها الرابط لها ، القائم بها ، المستقلّ باستقلالها ، فهي معلومة لمعلولها علماً حضوريّاً إذا كانا مجرّدين ، وهو المطلوب « 1 » . وحيث إنّ الواجب تعالى مجرّد ، فتكون جميع علومه تعالى حضوريّة لا حصوليّة . أمّا الأصل الثاني وهو أنّ مرادهم بالحدوث هو الحدوث الزماني وأنّ جميع المخلوقات حادثة زماناً فقد تقدّم بطلانه في المباحث السابقة ، وتبيّن أنّ الحدوث لا ينحصر بالحدوث الزماني ، بل هنالك حدوث ذاتيّ وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم في ذاته ، ويشمل جميع الموجودات الممكنة ، لأنّ وجودها بعلّة خارجة من ذاتها . فالأشياء جميعاً وإن كانت موجودة في مرتبة وجود

--> ( 1 ) نهاية الحكمة : الفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشرة ، ص 260 .